نشرتها مجلة الأيام وصحيفة البعث في مجلة أيام الشام المجانية في عددها 9-10 آذار-نيسان 2006 مع الشهداء الأبطال في ساعاتهم الأخيرة شاهدا عيان يرويان: التفاصيل المروعة للتحقيق والسجن والكلمات الأخيرة للشهداء على حبل المشنقة أمة العرب لا تنوحي كفاك ِ ليت يحي تلك الرفات بكاكِ إن ترومي أن تخلفي شهداكِ فأعيدي مجد الأولى... بدماكِ في ليلة واحدة شنق في دمشق ستة أبطال من اخلص أبناء هذه الأمة وشنق في بيروت أربعة عشر شابا ًهم لباب النهضة الأدبية والعلمية في سورية في السبت صباحا في الخامس من رجب 1334 والسادس من نوار 1916 , ظهرت صحف بيروت ودمشق وفي صدرها " بيان رسمي" مهد له بكلمة على أنها من قلم التحرير في حين أن كونها واحدة فيها كلها دل على أن التمهيد هو أيضا مرسل من الحكومة مع البيان وهذا نصه برطانته الرسمية : }قد تم إجراء التحقيقات والمحاكمات الواقعة منذ اشهر في ديوان الحرب العرفي المتشكل في عالية بحق أفراد الجمعية التي كان تشكيلها بقصد تسليم سورية وفلسطين إلى إدارة أجنبية وحيث أن أفراد تلك الجمعية وان تستروا ظاهرا باسم حزب اللامركزية ,كانوا خونة, فقد نالوا جزاءهم هذا الصباح بسبب خيانتهم للدولة والوطن { وقد ورد لأدارتنا بيان من دولة القائد العام ( أحمد جمال باشا ) مشتمل على تفصيل هذه الواقعة وما يتعلق بها من الوثائق الرسمية فبادرنا لنشر ذلك البيان وهذا ( كذا ) صورته : بيان أحمد جمال باشا ( ملا جرى القصاص على بعض الأشخاص المنتسبين إلى الحزب المتشكل في مصر والممالك العثمانية, تحت تمويه عنوان " حزب اللامركزية ", والذين حكموا في ديوان الحرب العرفي في عالية , كنت كتبت في البيان الذي نشرته في أوائل أغسطس سنة 1334 بان التحقيقات جارية بصورة دقيقة بحق أعوانهم الأشرار الذين قبض عليهم قبلا, إن الوثائق السياسية التي وجدت في قنصلية فرنسا ,واعتراف عبد الغني العريسي صاحب "المفيد " الذي القي القبض عليه أخيرا بعد أن ذكرنا في البيان فراره ,واعتراف سيف الدين الخطيب عضو محكمة بداية حيفا السابق ورفيق رزق سلوم ضابط احتياط ورفقائهم الآخرين قد نور المسألة من جميع أطرافها. "وسيق إلى ديوان حرب عالية الأشخاص الذين ظهر لهم علاقة في هذه المسألة , بدرجات متفاوتة ,مع من تبين لهم دخلا في المساعي الخائنة , التي تدل على اشتراكهم مع العدو ضد الخلافة الإسلامية واستقلال الوطن بتنفيذهم ترتيبان الجمعية وتشبثاتها وأعمالها وفي ختام التحقيقات والمحاكمات التي أجراها الديوان العرفي في عالية صدرت أحكام القضاء بحق المظنون فيهم من الفارين والموقوفين كل على حسب اشتراكه في ترتيبان هذه الجمعية التي غايتها أو مقصدها سلخ سورية وفلسطين والعراق عن راية السلطنة العثمانية وجعلها إمارة مستقلة فحكم بالإعدام على : 1- شفيق بن أحمد مؤيد العظم 2 - الأمير عمر بن الأمير عبد القادر الجزائري 3- عمر بن مصطفى حمد 4 - الشيخ أحمد بن حسن طبارة 5- عبد الوهاب بن أحمد الإنكليزي 6 - سعيد بن فاضل عقل 7- باترو باولي 8 - جو رجي بن موسى الحداد 9- سليم بن محمد سعيد الجزائري 10 - علي بن الحاج عمر ( النشا شيبي ) 11- رشدي بن أحمد الشمعة 12 - أمين لطفي بن محمد حافظ 13- جلال بن سليم البخاري 14 - رفيق بن موسى رزق سلوم 15- محمد بن مصطفى الشنطي 16 - شكري بن بدري علي العسلي 17- عبد الغني بن محمد العريسي 18 - عارف بن محمد سعيد الشهابي 19- توفيق بن حمد البساط 20 - سيف الدين بن أبي نصر الخطيب لثبوت اشتراكهم في هذه التشبثات وبالدرجة الأولى وبصورة فعلية ... وحكم عل من تبين دخولهم في الدسيسة بصورة فرعية : سليم بن مصطفى مظلوم بالاعتقال بالقلعة خمس سنين , توفيق بن محمد الناطور ويوسف بن مخيبر سليمان ( حيدر) بعشر سنين حسين خليل حيدر بخمس عشرة سنة ,علي رياض بن رضا الصلح بنفي مؤبد ,الأمير طاهر بن أحمد الجزائري بعشر سنين في الكورك وحكم على الذين مع كونهم لم يفهموا المقصد والتشبث الحقيقي ثبت وجود مساعي لهم مع هذه الجمعية بصورة محسوسة إما بسائق الجهل والتصلف وإنما لم توجد عليهم وثائق تنور وجدان الهيئة الحاكمة وتثبت مجرميتهم واشتراكهم وهم رضا الصلح وأسعد حيدر بإعادتهما إلى منفاهما وأعطي القرار بمنع محاكمة وبراءة كل من : محمد أفندي(؟) وكامل الهاشم وإبراهيم القاسم وسامي العظم والشيخ جمال الدين الخطيب وعبد الحميد معلم الرسم ومحيي الدين فريجة والبيطار حسين صبري ورشدي الغزي وعاصم بسيسو الغزي وعزت الاعظمي ومصطفى الكيلاني وعبد الرحمن حنون والدكتور حسام الدين( ؟) ونجيب شقير والشيخ فتح الله (؟)والدكتور أحمد قدري وسليم الطيارة وجميل الحسيني والمفتي سعيد أفندي الباني وسليم الشمعة وسليم بخاري وفائز الخوري ورشيد الحشيمي وعمر الاتاسي والبكباشي علي رضا والدكتور أمين قزما وسعيد عدرا والدكتور عبد الحفيظ(؟) واليوزباشي جميل (؟) وفريد باشا اليافي وعثمان العظم ومن الذين صدر بحقهم حكم الإعدام وهم : شفيق المؤيد والأمير عمر وشكري العسلي وعبد الوهاب الإنكليزي ورشدي شمعة ورفيق رزق سلوم قد جرى إعدامهم في هذا الصباح في الشام والآخرون جرى إعدامهم في بيروت وسائر المجرمين صار سوقهم إلى منفاهم وحبو سهم وعلى هذه الصورة , تقرر إذا في سورية وفلسطين السكون والآمن المحتاج اليهما إلى الأبد...{ مذكرات سجين في ديوان عرفي عالية مذكرات الأستاذ فائز أفندي الخوري يوم الأربعاء 15 كانون الثاني 1919 فتح شاعر العرب الأكبر الأستاذ بشارة الخوري صدر جريدته " البرق" لنشر مأساة الشهداء تحت العنوان أعلاه بقلم أحد رفاقهم الأستاذ فائز الخوري السياسي والقانوني العربي المعروف وسفير الجمهورية السورية في واشنطن فعـرَّف العرب كيف استشهد أحرارهم وعن البرق ننقل الصفحات الحزينة التالية , قالت الجريدة تعرَّف قراءها بكاتب المذكرات : (( فائز أفندي الخوري أديب من شبان البلاد المفكرين سجن متهما ًفي عالية مع أولئك الشهداء الذين نفذ فيهم حكم الإعدام وذهبوا فداء بلادهم وضحية الدولة التركية الظالمة الممثلة بسفاحها الدموي جمال باشا)) نجا (فائز الخوري ) من الموت ولكنه حفظ في صدره تذكرات مؤلمة مريعة عن ذلك السجن المظلم ولم يقدر الزمن ولا مرارة عيش المنفى أن تزيلا من ذهنه تلك التذكارات التي ننشرها لقراء "البرق" تباعا ...( قال رفيق الشهداء :) المذكَّرات "عالية ...هي زهرة جميلة على صدر لبنان وكانت قبل الحرب مسرح الأنس وملهى الشباب ومصيف أغنياء بيروت فصارت في عهد جمال وديوانه العرفي وكر الأفعى ومأوى الذئاب وسجن الأبرياء لم يذكر اسم عالية بخير ولا بابتسامة في مدة الحرب كان التلفظ باسمها كافيا لإلقاء الرعب في أشجع القلوب..أي فتى دخلها وخرج منها لغير حبل المشنقة أو طريق المنفى ؟ الرعب في فرنسا أيام دانتون وروبسبير دام أربعة أشهر ولكنه دام في عالية بحكم جمال أربع سنوات لم تنعق بومة بشؤم مثلما نعقت بومات عالية في أربع سنوات خلت هذه آثار دم الأبرياء , ما برحت طامسة لون ثياب المدينة الخضراء وعبثا تحاول دموع الآمال الحاضرة أن تمحو اثر تلك الدماء! جئتها سجينا وخرجت منها غير مصدق أني باق في قيد الحياة وما برحت احفظ لها تذكارات هي أمرُّ ما في النفس واجرح ما في الفؤاد. * * * * * كنا في حلب مع بضعة من الأخوان فإذا بصوت يطن في أذننا همسا: - قبض على عبد الكريم الخليل ! لا تسل عن شدة تأثير النبأ علينا وقد كنا في الاستانة نسعى لغاية واحدة وما هي إلا فترة من الزمن تراوحت أنفاسنا فيها بين الأمل والمخاوف حتى قرانا في الصحف نبا إعدام عبد الكرم ورفاقه وعلمنا من البيان الذي أذاعه جمال السفاح على اثر جريمته المنكرة أن التحقيقات جارية للقبض على بقية المتهمين " المجرمين "فصرنا ننتظر ساعة بعد أختها إلقاء القبض علينا وعزمنا على الفرار فأبت على بعضنا روابطه العائلية إتيان هذا الأمر خوفا من تساق عائلاتهم بسببنا إلى العذاب وفر القسم الأخر فنجا وخدم بلاده بنجاته ثم قبضت الحكومة في مدائن صالح على عبد الغني العريسي ورفقائه الأمير عارف الشهابي وتوفيق البساط و عمر حمد وجاءت بهم إلى عالية للمحاكمة وكانوا قد حكموا عليهم أثناء فرارهم بالإعدام غيابيا القبض علي في حلب طلبت إلى عالية فذهبت إلى الثكنة العسكرية مخفوراً وبقيت هناك ساعة ثم نقلت محفوظا في القطار إلى عالية مدينة الرعب والهول فوصلت إليها نصف الليل جاؤوا بي ولم يسمحوا بان أمر بمنزل أهلي لأخذ بعض ما احتاج فدخلت السجن وليس علي غير ثيابي وهون الله علينا وقضيت تلك الليلة في " فندق الصحة" وهو مكان التوقيف وكانت ليلتي مليئة بالهواجس والمخاوف فلما اطل الصباح حتى أخذوني إلى رئيس الديوان المدعو شكري بك وهو متربع على عرش مجده في قاعة مظلمة وكنت قد بدأت أشعر بتأثير نفساني لا اعرف تحليله ونظر الرئيس في مليا , ثم سألني : _ أأنت الذي كان سكرتيرا للمنتدى الأدبي في الأستانة ؟ - نعم... - وكنت أيضا في حلب عند الضابط أمين لطفي ؟ ( كان أمين لطفي في السجن آنذاك ) - نعم... - وأنت شقيق فارس الخوري مبعوث دمشق . أليس كذلك ؟ - نعم.. وبعد هذه السؤالات التي حسبت أنها بدء محاكمتي نادى الرئيس ضابطا صغيرا اسمه شفيق أفندي وأمره أن يذهب بي إلى حسن بك رئيس الهيئة التحقيقية. من كان يحث العرب على الاستقلال؟ قادني ذلك الضابط حالا وأنا واجف القلب متقطع النبضات إلى حسن بك المذكور فوجدته مستويا على كرسيه العريض وقد فتل شاربيه ورفع منكبيه وحملق بعينيه السوداوين ولما رآني تزحزح من كرسيه وقال : - شفيق انظر إذا كان مع هذا شيء يؤخذ .... فهجم علي شفيق المذكور ( ولا أنسى انه كان احد رفقائي في المدرسة الإعدادية في دمشق وهو ارناؤوطي الأصل ولكنه أكثر تعصبا للتركية من الأتراك ) هجم علي واخذ بتفتيشي كما يفتش صندوقا فوجد معي مسدسا صغيرا وبعض أوراق لا أهمية لها. فاخذ المسدس وترك الأوراق وأنا واقف اعد الدقائق لأرى نتيجة الاستنطاق . وبعد أن أكمل شفيق الملعون تفتيشي ناداني حسن بك ,بطل الديوان العرفي الذي جيء به خصيصا من الاستانة لتنفيذ هذه المهمة فتقدمت إلى أمام منضدته وأنا أقول في نفسي : إنا لله وإنا إليه راجعون قال : _ أأنت فائز الخوري ؟ - نعم أنا هو بعينه. - أين كنت قبل الحرب . - في مكتب الحقوق في الاستانة - الم تكن سكرتير المنتدى الأدبي هناك؟ - بلى كنت السكرتير. فتمتم بعض كلمات لم افهمها ثم قال: - حسن .... أتعرف سليم الجزائري و عزيز المصري ورشدي الصفدي ؟ - نعم أعرفهم. فحملق بي, وسألني: ومن كان منهم يلقي الخطب في المنتدى حاثا العرب على الاستقلال ولاعنا سلطة الأتراك أسياد البلاد؟ - لم اسمع أحدا من هؤلاء قال شيئا في المنتدى بهذا الصدد ولكن سليم بك الجزائري ألقى أمامي محاضرة تاريخية لم يتجاوز فيها سرد الأدلة التاريخية والأمثلة وتلك كانت خطة المنتدى في تشريب تلامذة المدارس من أبناء العرب في الاستانة الفوائد التاريخية العلمية بطريقة المحاضرات وقد حضر جلساته ومحاضراته كل من طلعت باشا وجمال باشا وغيرهما. إن الأتراك سيحكمونكم إلى الأبد ..... أيها الخونة! وعندما وصلت إلى هنا رأيت الشرر يتطاير من عيني الرجل وهدر وزمجر ورفس الأرض برجله ثم قال : - ما هي علاقة حزب اللامركزية بالمنتدى الأدبي؟ فلم ا فهم علاقة ذلك الغضب الشديد بهذا السؤال البسيط وكان لم يسمع مني جوابا انطلق لسانه بسرعة وصار يدمدم ويقول: - ذلك الحزب الشرير الذي يسعى لفصل البلاد العربية عن جسم الدولة العليا ....ولكن اعلموا أيها الأغرار الخونة ... أن الأتراك سيعيشون رغما عن أنوفكم....وسيحكمونكم إلى الأبد! إننا ضحينا بثلاثمائة ألف جندي في الدردنيل ورددنا الإنكليز على أعقابهم وسنضحي أيضا بنصف مليون جندي من إبطالنا البواسل في الترعة وندخل مصر ظافرين ونطرد الإنكليز منها ونقضي على آمالكم ونقتل فكرتكم الخبيثة ونبتر من جسم الدولة هذه الأعضاء الفاسدة... واعلم الآن يا هذا : أن الإنكار عاقبته الإعدام فقل كل ما تعلمه.... و إلا أصابك رئيسك عبد الكريم الخليل فاشتر رفع حبل المشنقة عن عنقك بإقرارك... وما وصل حسن بك إلى هنا من خطابه " النفيس " حتى تفتحت أوداجه وبرزت عيناه من محجرهما واهتزت أعضاؤه واخذ يلهث كالثور ثم ارتمى على كرسيه يمسح العرق المتصبب على جبينه من التعب الذي أصابه بسبب تأثره الشديد و كأنه أحس آنذاك انه فتح مصر واستقر على النيل وملك أعناق العرب في المشارق والمغارب! فعندما رايته على هذه الحالة الغريبة نسيت موقفي المخيف وابتسمت وشر المصائب ما يضحك ! ورآني ابتسم فاكفهر وجهه وحدق بي بغضب , وقال لي : - أتجسر على الضحك ؟ .... ويحك ..ألا تخاف؟ ... هل تظنني اتبالد وامزح معك؟ فأجبته وقد عاودني القلق من كلامه المزعج: - مازلت على يقين تام بعدلكم وببراءتي , فاني لا أخاف! وكأني أعجبته بهذا الكلام فتحرك في مقعده وفتل شاربيه وابتسم ثم قال لي : - اذهب الآن وسأدعوك ثانية ولكن يجب عليك أن تقول كل ما تعلمه فهذا اضمن لحياتك وأبقى على شبابك . في باب كل غرفة جنديان خرجت ولكن لا ادري كيف خرجت بعد أن شاهدتني بين مخالب الردى وصورت لي مخاوفي حبال المشنقة إذ ليس في العالم شجاعة تقف دون ارتجاف ولا خوف أمام هيئة حاكمة قاتلة كهيئة ديوان الحرب العرفي في عالية . خرجت من حضرة حسن بك فوجدت بعض الجنود واقفين في الباب وقد وضعوا حرابهم على رؤوس بنادقهم وقال شفيق الملعون ( رفيقي في المدرسة ): -هلم بنا إلى السجن . فمشيت معه والجنود تحيط بي من كل الجهات حتى وصلنا إلى السجن ... فإذا بسكوت عميق وهدوء مخيف!الجنود واقفون بسلاحهم في كل زاوية وفي كل باب وكلهم آذان وعيون.... وسجناء جالسون هنا وهناك على أسرتهم بعضهم يقرأ وبعضهم يتأمل... ولا يجسر الواحد منهم أن ينظر إلى رفيقه ليسار قه نظرة وإذا قدر لأحدهم لن يفعل فلكي يستفهم منه عن حاله وعن استنطاقه ولو بنظرة ... ولو بالإشارة!... والسجن الذي وضع المتهمون فيه هو مجموعة غرف تفتح كلها على دار واسعة وكانت أبواب الغرف مفتوحة وفي كل غرفة سجينان وعلى كل باب جنديان ينظران إلى داخل الغرفة والمسجونون واقفون لا يبدون حراكا ولا يلفظون كلمة كأنهم أصنام أو كان اليأس لم يترك في قلوبهم للأمل مجالا تضعضعت حواسي وجمدت مكاني وصرت كالغائب ! وأول من وقعت عيناي عليه كان عبد الغني العريسي وهو في غرفة وحده ثم رأيت في الغرفة الثانية توفيق البساط والى جانبه الأمير عارف الشهابي وفي الثالثة الأمير عمر الجزائري وعمر حمد ثم رأيت نجيب شقير ومعه خوري ماروني اتهم بأنه تلقى كتابا من أمريكا فيه .." تمنيات خائنة"! لا تتصور خوفي عند مشاهدتي هذه الحالة وزاد بي الخوف عندما أدخلوني إلى غرفة عبد الغني وأشاروا إلي : أن هناك مقامي ! الله من تلك الساعة ! لا يمكنني أن استعيد الآن وأنا اكتب أمنا مطمئنا ما خالج فكري ساعة دخولي إلى هذه الغرفة ..فقد قلت : عبد الغني هو اكبر المتهمين جرما على زعمهم وهو محكوم عليه ( بالموت حتما...) فوضعني معه في غرفة واحدة والجمع بين حالي وحالته ليس بسليم العواقب علي ...إذا فحياتي في خطر ! ولما طرا علي هذا الفكر فكر الخطر فكر الموت فكر المشنقة تضعضعت حواسي تماما وصرت كالغائب أرى ولا اشعر فجمدت مكاني مبهوتا مفتوح العينين ثم ارتميت على السرير وكان أخر عهدي بالأمل وبقيت على تلك الحالة من الذهول مدة ورفيقي في غرفة سجني جامد لا يجسر أن يدنو مني ويكلمني حتى جاء الليل وأوقدت المصابيح ضعيفة الأنوار فصارت أفكاري تعود تباعا وأنا كلما صحوت من ذهولي تعاودني أشباح المشانق والموت وفكرت في الليلة الأولى بالمصير المريع الذي يهددنا بعد أن شاهدنا قبلا مصير رفاقنا ومقدمات معاملة الأتراك للمتهمين الحاليين فاعتراني خوف لا اقدر على وصفه الآن وتذكرت أهلي وشبابي وصارت الآمال التي احلم بها بالأمس تمر أمامي فاغرورقت عيناي بالدمع دمع اليأس القاتل ...ولا يقدر الإنسان في ساعات خوفه أن يقتل الوقت أو يعد الساعات فالدقيقة ساعة والساعة عام ويزيد في رهبة هذه الساعات خوف الهلاك وأمل ضعيف يتردد في صدور المتهمين كخيوط النور المنبثقة من قناديلنا الزيتية الضئيلة وكان البرد يخرق العظم والرياح تصر في الخارج فارتميت على السرير ارتجف من البرد لان النوافذ المشرعة كانت تلفحنا بالرياح الباردة القاسية عمر حمد ... الله يرحمه! فنطر إلي من الغرفة المقابلة شاب لا يتجاوز الخامسة والعشرين اسمر اللون حالك الشعر وراني على تلك الحالة من البرد فنادى الجندي الحارس وقال له : - خذ كانون النار من هنا وأعطه لهذا الشاب ... ( لم يكن يعرفني كما أني لم كان اعرفه يومذاك).وجاءني الجندي بالكانون وهو كالصنم لا ينبس بكلمة فسألته عن الشاب الكريم فأجاب :هو عمر حمد والتفت إليه وشكرته بنظرة. مسكين عمر حمد !ما كان ارق قلبه واشرف أخلاقه !... ذهب ضحية طاهرة وهو لم يجن إثم يقتل عليه !وبعد أن اصطليت بالنار قليلا التفت إلى الغرفة المقابلة فشاهدت توفيق البساط متكئا على سريره ولما وقع نظره على نظري خلع نعليه ونزع جواربه ومد رجليه وكأنه يقول لي : انظر ! فنظرت إلى رجليه ورأيت .. نعم رأيت .. ولا أنسى ضربات السياط قد اخترطتها عرضا وتركت فيها أثرا اسود قاتما وكان قد مضى عليها ما يزيد على العشرين يوما وأثرها لا يزال كما رايته ! وخفت أن يلم بي ما الم به من الضرب فوقعت ثانية في حيرة وذهول وصرت أفكر كيف يكون مصيري إلى أن عييت عن حل عقد أفكاري فأهملتها مرغما والمصائب متى تكثر يخف شرها ويقل عذابها وأنا اعرف الناس بهذا فاني قبل دخولي السجن كنت اجبن مني حال دخوله وفي اليوم الأول كنت أكثر خوفا من اليوم الثاني وفي هذا أكثر خوفا من اليوم الثالث وهلم جرا .. وحانت مني التفاتة إلى المسجونين وكنت اعرف أكثرهم فإذا بهم يلتفتون إلي كأنهم يستفهمون مني عن مصيرهم ظنا منهم أني عارف بما لا يعرفونه ! ولكنهم ما دروا رحمهم الله إن افشاءات بعض الأخوان أوصلتهم إلى ذلك المصير المخيف مصير الحبل والمشنقة ولم اقدر أن أقول لهم شيئا فأغمضت عيني وغرقت في ذهولي ....... وكان المخاوف و الأفكار المشؤومة ضنكت جسدي فما شعرت في اليوم الثاني إلا وأنا طريح الفراش لا اقدر على الحركة وبقيت النهار بطوله أتقلب على جمر الغضا من الألم وقد أنساني مرضي مصيري المخيف ولما حل الليل بسواده الممقوت شعرت بزيادة وطأة المرض وقبل أن أتمكن من دعوة الجندي لطلب طبيب السجن أصبت بهذيان شديد ودوار في راسي افقدني الحس فما عدت اشعر بمن حولي ولا بما يجري أمامي... هذيت كثيرا..ولا اعلم بما قلت في هذياني ...ولكن الجندي اخبرني بعد ابلالي أني تكلمت كثيرا... وجاءني الطبيب في اليوم الثاني مع معاونه وهو لا يعرف الطب ولا دخل مدرسته...فاخذ يجس نبضي ويضع يده على راسي وأذنه على بطني وأنا صامت اتالم حتى انفتح فمه أخيرا وقال : - انه مريض بالتيفوس!.... مسكين هذا الطبيب الأبله لم يفرق بين الملا ريا والتيفوس! ولكن حكمه علي بهذا المرض أنقذني من استنطاقات عديدة فبقيت شهرا كاملا أداوى وأعامل كموبوء بالتيفوس وأنا لا علة بي إلا الملا ريا وما أبللت من مرضي حتى انتهت كل الاستنطاقات وأخذت الأوراق للفحص وسمح للمسجونين أن يجلس بعضهم مع بعض ويتكلمون بما يشاؤون فصرنا نعقد حلقات حلقات تارة بالوكر و طورا بالطاولة وحينا بالدومينو وغيرها من الألعاب المسلية وكان اجتماعنا يزيل عن صدورنا غمة المصير الأسود الذي كان يتراءى أمام أعيننا من حين إلى أخر الرفاق في السجن قضينا أربعة اشهر على هذه الحالة تتراوح بنا الأيام بين اليأس والرجاء وكان رفاق الشقاء يتسلون بأحاديث استنطاقهم واستجوابهم ومن هذه الأحاديث ما ارويه وقد بقي عالقا بذهني إلى اليوم ... قيل لي أن عمر حمد كان أجرأ المتهمين في الاستنطاق ومن حوادثه أن اللعين حسن بك كان يستنطقه مرة فقال له: - أنت كاذب! فثار الدم في راس الشاب الجريء -رحمة الله عليه – وكاد يهجم على رئيس الهيئة التحقيقية لولا الجندي الذي كان واقفا وراءه بالسلاح ولكنه اكتفى بان أجاب حسن بك : - نحن لا نكذب ولا نحترم الكذاب ... فحملق حسن بك ونهره غاضبا : اسكت يا كلب! فلم يتمالك عمر من السكوت فأجابه : بل أنت الكلب! وهاج الوحش فتدحرج كالفيل عن كرسيه العريض وهجم على السجين المكبل وصفعه ثلاثا وأعاده إلى التوقيف ! وكان اقلنا كلاما شفيق بك المؤيد كان هذا الرجل الكبير غريبا في أطواره حتى في ساعة استنطاقه فقد سئل في وسط الديوان عن علاقته بالسفارة الفرنساوية وعن رسائله ومخابرته السياسية فأجاب بكل هدوء وبساطة : - لقد قطعت من العمر شوطا بعيدا وأنفقت مئة ألف ليرة على ما يسمونه ملذات الحياة فلم يعد لي مطمع بلذة ولا شهوة تشتهيها نفسي وها أنا قد بلغت الستين فاحكموا علي بما تشاؤون فاني أتمنى أن أموت ميتة الأبطال الشهداء ... ما عن علاقاتي بالسفارات ومخابراتي السياسية فكلها صحيحة .... كما هي مكتوبة بين أيديكم واز يدكم علما بما لا تعلمونه !ثم اخذ يقص عليهم مداخلاته السياسية السرية التي لم تكتب بوثائق ! الشيخ أحمد طبارة بريء وعجبت كثيرا لما سمعت هنا بعض الناس يلقون التبعة على المرحوم الشيخ أحمد طبارة بأنه هو الذي أوقع المرحوم سعيد عقل في المأزق الحرج أما الحقيقة فهي عكس ما يقوله هؤلاء الناس وأنا الذي كان يومذاك حاضرا وسامعا ما يجري في الديوان العرفي أؤكد أن الشيخ دافع جهد طاقته عن براءة سعيد ولما سئل في استنطاقه عنه أجاب : - لم يكن لسعيد علاقة بسياسة جريدتي ولم يشتغل عندي هذا الشاب إلا بمرتبه وكنت ألقنه المواضيع السياسية ليكتبها وإذا اتفق انه كتب مقالا من عنده فاني كنت انظر فيه ولا انشره إلا إذا كان يوافق سياسة الجريدة ....(( حذفت المراقبة العسكرية الفرنسية بعد هذا الكلام أحد عشر سطرا )) - أنا لا احسبني أعامل بأكثر من النفي ولي الثقة التامة بأنه سيحكم علي به ثم يشملني العفو فأوضع تحت المراقبة فقط في بيروت ولما قلت له: وإذا حكموا عليك بأشد مما تتوهم ؟ أجابني فورا وكأنه أمين من مصيره : غير ممكن .....فوقفت وقلت له : - والله إذا حكم عليك كما تزعم وحكموا على أي منا بالإعدام فلا يعود احد قادرا على الاعتقاد بعدالة الناس ولا بوجود اله.... ذلك لأنك أعظمنا جرما! وعدنا إلى اللعب ساكتين فرحمة الله عليك يا عبد الغني إذ توهمت بالوفاء في وعود الأتراك المزوقة ورأيت على ثغورهم ابتسامة الرضى فاعتقدتها ابتسامة صدق وإخلاص وما عرفت أن التركي يبتسم عند القتل ويكثر الوعود عندما ينوي الخيانة والغدر أما سعيد عقل وباترو باولي وجورجي حداد فكانوا أكثر المتهمين أملا بالنجاة وكان أملهم حقيقيا لأنه لم يثبت عليهم شيء لا في التقارير ولا في الافشاءات ولا في الاستنطاقات وكان المرحوم عقل يقول لنا : - اشد ما أتوقعه من الديوان العرفي أن يحكم علي بالنفي لمدة معينة وكنا نعجب جميعا لجرأة عمر حمد في كل أطواره فانه لم يكن يبالي بالموت ولا بالحياة وكان يقطع أوقاته بنظم الأشعار أما شفيق مؤيد فلم يكن أملا بالحياة بل كان متيقنا بأنه سيحكم عليه بالإعدام ومع ذلك فانه ظل محافظا على سكينته يقضي أوقاته ماشيا في الغرفة يتسلى بالسبحة الطويلة وقطع صديقي ورفيق صباي المرحوم رفيق رزق سلوم أمله من كل نجاة وكان يقول لي دائما: إني شاعر بان حكم الإعدام عالق بين عيني ولكنني لم اعد خائفا كالسابق لان اليأس من الحياة يجعل الموت هينا محمولا! وفي ذات اليوم قبل الإعدام جاءني صديقي رفيق مكفهر الوجه على غير عادته وقال لي : إن نفسي تحدثني بان قد جاء اجلي فاذكرني بالخير ولا تنس صديقك ثم اخذ الساعة المعلقة بزنده وقدمها لي تذكارا وهي ما برحت معي اعرف وقتي منها واذكره كلما نظرت إليها رحمات الله عليه قبل تنفيذ الحكم وظل أولئك الظلمة المراوغون يسكنون خواطرنا ويعللونا بالآمال والفرج القريب حتى كان اليوم العصيب وقبل يوم أو يومين من ليلة الإعدام شعرنا أو عرف أكثرنا بالمصير غير انه لم يعرف احد أسماء الذين سيقادون إلى الموت واذكر أن أطول أيام حياتي كان ذلك اليوم الذي سبق الليلة المشؤومة وأطول ساعة مرت حسبتها في حياتي جيلا كاملا هي تلك التي بدأ الجندي الحارس يدعو المحكومين الواحد تلو الأخر إلى لبس ثيابهم ذلك اليوم وتلك الساعة اذكرهما إلى الأبد ولا يمر خيالهما في ذهني إلا وترتجف مفاصلي من هول تلك التذكارات ولو أن قارىء مذكراتي كان معي ساعة كتابتي هذه السطور لرأى بأم عينه ارتجاف أناملي واهتزاز أعصابي وشعر بخفقان قلبي وسرعة نبضاته ! إن كلا ًمنا ونحن نتجاوز الأربعين توقع أن يسمع اسمه من فم الجندي الحارس وليست تلاوة الاسم سوى دلالة على إعدام حامله يا لهول ذلك الانتظار! يا لشؤم تلك الساعة ! وفي صباح الخامس من نوار صدر الأمر إلى عبد الحميد الزهراوي وشفيق بك المؤيد ورشدي بك الشمعة وشكري بك العسلي وعبد الوهاب الإنكليزي والأمير عمر الجزائري ورفيق رزق سلوم بان يكونوا على أهبة السفر فلبس هؤلاء الرفاق ثيابهم وخرجوا لا ينبسون ببنت شفة ثم ركبوا القطار إلى دمشق وكان أخر عهدنا بهم وأخر عهدهم بالحياة ولم يهدأ لنا بال طوال ذلك النهار ولا استقر بنا القلق على حال فجمدنا كلنا ووجمنا نستطلع المقدر لنا وكل منا أمام الساعة الهائلة : إما خلاص وإما موت توفيق البساط وأذنت الشمس بالمغيب فتجمهرنا في غرفة واحدة غير أن المرحوم توفيق البساط انسحب من بيننا ودخل غرفته فأسرعت وراءه فوجدته راكعا يصلي وقد اصفر وجهه وابتل شعره بالعرق المتصبب على وجهه ولما انتهى من صلاته سألته : - علام صلاتك الساعة يا صاح ؟ فأجابني وقد زال عن وجهه الاصفرار ومسح عرقه بمنديله : - لا مناص من القضاء يا أخي ونفسي تحدثني باني ذاهب الليلة إلى الإعدام , أحببت أن أشجع نفسي بالصلاة حتى لا تجبن ! ثم اخذ يمشي بخطوات سريعة في فسحة الدار وهو يردد بعض الآيات الكريمة وجمد الأخوان الآخرون في الغرفة لا يبدون حراكا ظلام حزين , وصمت مهيب وبدأت الشمس تختفي بلونها القاني بين تموجات البحر مرسلة إلى غرفتنا المظلمة أخر نظرات الوداع وكنا موقنين بأنه سيذهب هنا عدد غير قليل لن ينظر في غده أشعتها طالعة من وراء الجبال إن غياب الشمس وانتقال الكون من بعدها من النور إلى الظلمة يثيران في النفس كآبة لا يشعر بها غير السجين الحزين الذاهب إلى الموت ,لم نشعر بحلول الظلام لان أعيننا كانت مظلمة في تلك الساعة أكثر من الظلام نفسه لم نشعر إلا بالجندي حاملا لنا القنديل فدخل صامتا ووضع القنديل على الطاولة ثم خرج صامتا لا ينبس ببنت شفة صمت مهيب يسمع من خلاله تنفس الصدور خفقان القلوب لا يشوشه سوى أقدام بعض الرفاق الذين كانو
الثلاثاء, 06 مايو, 2008
مرضي في السجن
عبد الغني العريسي مطمئن....
وكنا يوماً أربعة ً نلعب بالورق وعبد الغني معنا فدار الحديث عن المتهمين ومصيرهم فقال عبد الغني :
مع الأمل ....ومع اليأس
ولم يقطع القسم الأكبر من المسجونين أملهم بالنجاة لا سيما وان الأتراك في الديوان العرفي وفي الهيئة التحقيقية كانوا يعللونهم دائما بالخلاص ويعدونهم بالنجاة فعبد الغني العريسي أمل بالنجاة بناء على وعود كبير الجواسيس كمال بك اللعين والشيخ احمد طبارة قيل له انه سوف ينفى فقط فسري عنه وأرسل قبل الإعدام بأسبوع يطلب حقيبة الثياب استعدادا للسفر


